أبي منصور الماتريدي

254

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . قال بعضهم « 1 » : حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين ، أي : كفاك الله في العون والنصر لك ، وكفاك المؤمنين - أيضا - فيما ذكرنا . وقال بعضهم : حَسْبُكَ اللَّهُ : نصر الله ، وحسبك نصر المؤمنين ، وهو على ما ذكر : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . والأول أشبه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ . التحريض على القتال يكون بوجهين : أحدهما : أن يعدهم من المنافع في الدنيا ، ويطمع لهم ذلك ، من نحو ما جاء من التنفيل : أن من فعل كذا فله كذا ، أو يعدهم المنافع في الآخرة ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . . . الآية [ التوبة : 111 ] ، وما ذكر من الثواب في الآخرة بالنفقة التي ينفقونها في سبيل الله ؛ كقوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ الآية [ الصف : 10 ] ، فما ذكرنا فيه وعد المنافع لهم في الدنيا والآخرة ، ووعد النصر لهم . والثاني : يكون التحريض بضرر يلحق أولئك ، ونكبة تصل إليهم ؛ كقوله : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ . . . الآية [ التوبة : 13 ] ، إلى قوله : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ [ التوبة : 14 - 15 ] ، جمع الله - عزّ وجل - في هذه الآية جميع أنواع الخير الذي يكون في القتال مع العدو ، من وعد النصر للمؤمنين عليهم ، وإدخال السرور في صدورهم ، ونفي الحزن عنهم ، وتعذيب أولئك بأيديهم . وفيه إغراء على العدو بقوله : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [ التوبة : 13 ] ، فذلك كله يحرض على القتال ، ويرغبهم في الحرب مع العدو ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . الآية . اختلف في معنى هذا :

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 281 - 282 ) ( 16279 - 16281 ) عن الشعبي ، ( 16282 ) عن ابن زيد . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 362 ) وعزاه للبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الشعبي .